ما هي الروح؟!

من الصعوبة بمكان وضع تعريف محدد للروح دون الوقوع في تناقضات جمة. فهذه الفكرة تُعد واحدة من أطرف وأغرب الأفكار في تاريخ الجنس البشري. كما أنها تتميز بالغموض الشديد الذي يحيط بها مما يجعلها عصية على التعريف. فبالإضافة لتمتعها بالخصائص الميتافيزيقية التي تتمتع بها جميع الكائنات الدينية (آلهة، ملائكة، شياطين، جن ... الخ) فهي تتمتع بخصائص مادية أيضاً!!
فمن جهة هي توجد "في الجسد" أو "متحدة به" بشكل أو بآخر سواء كانت متمركزة في جزء منه مثل القلب أو الرأس أو الدم أو منتشرة في الجسم كله ... الخ، (حسب الرأي السائد في العصور والثقافات المختلفة). أو مرافقة لجسد الإنسان ومرتبطة به بكيفية ما، إلا أنها في الحالتين – والحال هكذا – تخضع لعامل المكان، بالرغم من أنها ليست مادية(؟!) وليست هذه هي الخاصية المادية الوحيدة التي مُنحت للروح. فبالإضافة لإمكانية التواجد المكاني فيفترض أن لها قدرة على التأثير في الأجسام المادية!! فوجودها يؤدي إلى تمتع الجسد بالحياة ومفارقتها للجسد يؤدي لموته(؟!)

ولكن بالرغم من هذه الخصائص المادية فيجب ألا يذهب ذهننا إلى أن الروح شيء مادي، بل هي كائن ميتافيزيقي!! فيبدو أن الروح قد تم إعفاءها – من قبل المؤمنين بوجودها – من الخضوع للزمن!! فموت الجسد لا يعني لها شيء بالمرة، بل هو ناتج عن "رحيلها عنه"، فالجسد يحتاجها ليحيا، لكنها لا تحتاجه في شيء. فالموت بالنسبة للروح هو مجرد انفصال عن الجسد. وبالرغم من اختلاف مصير الروح بعد الموت في العقائد والأديان والثقافات المختلفة، إلا أن المتفق عليه بينهم أنها لا تنتهي أبداً فهي تتعالى على الزمان. قد تقدم لمحاكمة عاجلة أو يتم تخزينها في مكان ما لحين استدعائها لحساب جماعي أو تخزن لحين إرجاعها للجسد مرة ثانية أو تمتزج بالإله الذي هو مصدرها كما يبدو!!! ولكنها دائماً وأبداً سرمدية لا تتأثر بمرور الزمن!!
أي أن الروح كائن شبه ميتافيزيقي وشبه مادي، تخضع للمكان ولا تخضع للزمان، تؤثر في الجسم ولا تتأثر به. شيء أثيري يستعصى على الفهم في ظل التناقض الذي يغلف أي تعريف خاص بها، ويبدو أنه لا مفر من أن أنهي هذا الجزء بنفس التساؤل الذي بدأته به، مُحيلاً التساؤل للمؤمنين بوجودها علهم يملكون إجابة، ... ما هي الروح؟!


الروح ... منطق مقبول عند القدماء

ليس لنا أن نتعجب من البشرية في طفولتها عندما اخترعت هذا المفهوم. فمن السهل ملاحظة أن الجسد بعد الموت يتحول إلى تراب. ويا له من تحول، لا شك أنه استوقفهم كثيراً للتفكير في "الشيء" الذي فقده ذالك الجسد حتى صار تراب. وكذلك من السهل تشكيل أجساد باستخدام عجين من التراب تتشابه كل الشبة مع الجسد الحي، ولكنها ليست كذلك. مما يطرح نفس التساؤل، ما "الشيء" الذي يفتقده هذا الجسد ليصير حياً؟!
وهنا جاءت الفكرة البسيطة الناشئة من ملاحظة الفرق بين الكائنات الحية والجمادات المختلفة، بوجود "جوهر" ما مسئول عن هذا الفرق. ولا لوم أو عتب على أي ثقافة قديمة مهما كانت درجة التناقض في مفهوم الروح لديها. فمستوى الوعي والعلم سابقاً كان لا يسمح بأكثر من هكذا طرح.
والمُدقق في الجذر اللغوي لن يخفى عليه الاشتقاق بين (روح) و(ريح) وكذلك (نفْس) و(نفَس)، ويبدو أن هذا التشابه في المعاني موجود أيضاً في لغات أخرى غير العربية. فنظراً لأن التنفس هو أحد أهم مظاهر الحياة فاشتقاق الكلمة جاء منه. فخروج الـ "روح" هو انتهاء التنفس بكل ما يتضمنه من معاني. وحتى يتوفر لمفهوم الروح سند فكري يدعمه نشأت الأفكار الميتافيزيقية واللاهوتية والدينية واحدة تلو الأخرى لتشرح مشكلات الروح ومصيرها ومكان تخزينها وما إلى ذلك. وازدادت الفكرة الأصلية تعقيداً وبالتالي تناقضاً وغموضاً، وأصبح هناك عالم ميتافيزيقي كامل يوازي عالمنا هذا أن لم يكن يتفوق عليه!! ولن أطيل أكثر من هذا تحت هذا العنوان ولننتقل للنقطة الأهم، فكما ذكرت في عنوان هذه النقطة هذا المنطق بالنسبة للقدماء هو منطق سليم لا غبار عليه بالنسبة لمستواهم العملي والحضاري، ولننتقل للنقطة الأهم.


الروح ... المأزق المعاصر


على قدر تفهمنا لموقف الإنسان البدائي من هذه الفكرة يكون تعجبنا من الإنسان المعاصر الذي مازال يحمل نفس هذه الأفكار العتيقة!! بل والأعجب هو عدم مقدرة قطاع عريض جداً من الناس على تفهم ظاهرة الحياة باعتبارها ظاهرة طبيعية مثل باقي ظواهر الطبيعة لا يحتاج تفسيرها إلى هذه التصورات الميتافيزيقية والميثولوجية. فالمعطيات البيولوجية تشير بوضوح إلى أن المادة الحية ليست شيء فريد بين الموجودات، وإنما هي مجموعة متوالية ومتشابكة من التفاعلات الكيميائية العادية تنتج هذه الظواهر التي نعرفها باسم "الحياة". فالتغذية والنمو والتكاثر والإحساس بل وحتى الموت كذلك، ما هي إلا تفاعلات كيميائية يمكن تفسيرها ودراستها بطرق علمية رصينة بعيداً عن كل هذه التناقضات التي تطرحها فكرة الروح وما إلى ذلك.

المؤمنون على اختلاف طوائفهم وقناعتهم، ينزعجون للغاية من هذه الأفكار ويضيقون زرعاً من الرأي القائل أن الإنسان بكل أفكاره ومشاعره وأحاسيسه، ما هو إلا أبن من أبناء الطبيعة ونتاج للمادة "الخسيسة"!! والواقع أن هذه المادة "الخسيسة" العاجزة عن فعل أي شيء والفاقدة لكل الصفات والخصائص والمقومات الطبيعية لا علاقة لها بالمادة الحقيقية التي نتحدث عنها والموجودة في أنحاء الكون. فالمادة "الخسيسة" هذه ليست سوى ثمرة تجريدهم الخاطئ وهي بالفعل شيء سخيف وجامد وثابت وعاجز عن أي شيء. وما هي إلا خيال قبيح يقابل خيالهم الجميل الذي يسمونه الإله، والذي ينسبون له كل صفات المواد الطبيعية!! أي أنهم قلبوا الأدوار، فجعلوا هذا الكائن الخيالي المخلوق من تصورهم التجريدي، ذلك الإله الذي هو العدم نفسه، هو الحقيقة المطلقة وحولوا المادة – أي الكون المحيط بنا – إلى لا شيء بعد أن نزعوا عنها جميع خصائصها الفيزيائية والكيميائية وتركوا لها السكون المطلق!! ثم يأتوننا بمنتهى الوقار بعد هذا ليخبرونا أن المادة لا تستطيع فعل شيء بدون إلههم وجوقته الميتافيزيقية من أرواح وملائكة وشياطين ... الخ، ومن ثمّ فيجب علينا الإيمان به والكفر بالكون وما فيه!! ومازلت كلمة "روح" تقفز على الفور – في عصرنا هذا!! – في أي حديث يذكر به كلمة "حياة" دون أدنى مُبرر منطقي، وتسمع تساؤلات من واحدهم على غرار:

"أيستطيع الدماغ مكونا من مجموعه من الأعصاب أن يولد ادراكا وشعورا!! أليست الأعصاب أشياء ماديه، خلايا مكونه من بروتين وماء وكربوهيدرات تنقل فقط سيالا عصبيا عن طريق محاور هذه الخلايا Axons. أتستطيع هذا المكونات أن "تحس بالأشياء" وهي ماديه بحته!! أم أن الحقيقة هي أن الدماغ هو "أداه" نستطيع بواسطته إدراك المؤثرات حولنا وان من يدرك في النهاية هي النفس أو الروح والتي لا نستطيع رؤيتها ولا إدراكها!!"

طبعاً من الواضح أن الحديث هنا عن المادة "الخسيسة" ولا شك
"المادة" لا تستطيع أن تُدرك ولكن "الروح" أو "النفس" التي لا تُدرك هي التي تدرك؟!

أعتقد أن من يملك أدنى معرفة بالعلوم البيولوجية يعرف تمام المعرفة أن الاعتقاد القديم القائل بأن المادة العضوية ذات طبيعة خاصة ولا توجد إلا عن طريق مادة حية سابقة ... الخ، قد سقط تماماً بعد تصنيع الأنسولين معملياً دون الحاجة لاستخلاصه من غدد الحيوانات. والمأزق الحقيقي لأصحاب فكرة الروح الآن هو الإيمان بشيء يبدو أنهم لا يعرفون عنه شيء!! فما هي الروح التي تؤمنون بها؟! الإجابة التقليدية التي نسمعها "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"(؟!) عجباً وهل سألنا إذا كان أمرها من أمر ربكم أم من أمر رب آخر!! السؤال الآن "ما هي الروح التي تؤمنون بها"؟! عزيزي المؤمن يسألونك عن الروح ... فماذا أنت قائل لهم؟!


لماذا نرفض فكرة الروح جملة وتفصيلا؟

في الواقع إن كل الديانات بآلهتها وأنصاف آلهتها وأنبيائها ومسحائها وقديسيها خلقها خيال البشر الساذج في العصور البائدة. وبالتالي فسماء الديانات ليست سوى سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ‏لم يجده شيئا ولم يجد الله عنده. في ظل الأفكار الدينية يجد الإنسان نفسه مدفوعا تحت تأثير الجهل للغوص في "سرداب" مظلم لا نهاية له ولا بصيص من الضوء فيه. وعوضاً عن تقديم إجابات حقيقية يتم دغدغة الحواس والمشاعر بإجابات "مقولبة" ومعدة سلفاً، مع ضرب المنطق بعرض الحائط. مفهوم الروح ينطبق عليه ما ينطبق على معظم منتجات الدين، ولهذا نرفضه جملة وتفصيلا. فالقول بوجود الروح هو إجابة لطيفة ومريحة ولكنها غير منطقية بالمرة. فالتصور الحالي للروح لا يفسر الكثير والكثير من الملاحظات والمشاهدات التي يجب عليه أن يقدم تفسيراً لها لو أراد له أصحابه أن يستمر ويصمد في مواجهة التراكم المعرفي الإنساني. بالإضافة للإجابة عن كل التساؤلات المتعلقة بالروح وطبيعتها وما إلى ذلك.

وسأطرح بعض هذه التساؤلات:
كيف يمكن أن نقتنع بوجود شيء غير مادي وفي نفس الوقت نقتنع بقدرته على "التواجد" في مكان ما!! فبغض النظر عن استحالة وجود شيء غير مادي في فكرتنا الحالية عن الوجود، إلا أن تواجد الروح في مكان محدد مرتبطة بجسد محدد يجعل لها صفات مادية لا تنكر؟! فأين وكيف يمكن لشيء غير مادي أن يوجد في حيز مادي؟ بالإضافة إلى أن اتصالها المفترض بالجسد وتأثيرها عليه يجعل لها تواجد مادي صرف، يُتيح تناولها ودراستها!!

هل تنشأ الروح في الجنين من خارج الرحم أو البويضة أم تنتقل إليه ميكانيكياً مع الخلايا التناسلية؟! فلو أنها جاءت من "الخارج"، فمن أين بالتحديد؟ وهل الجنين يكون غير حي قبل وصولها إليه؟!!! وإذا كان حي فما فائدتها إذاً؟ وإذا كانت الروح تنتقل مع الخلايا التناسلية (البويضة والحيوان المنوي) فهي مادية إذاً، لا بل يمكن دراستها بقوانين الانعزال المندلي كذلك!!!

نعرف كذلك أن أنسجة الجسد المختلفة لا تموت في وقت واحد بل في توالي، وهذا يجعلنا نسأل هل لكل نسيج في الجسد روح؟! وهل الروح تقبل التجزيء؟! وفي حالة نقل عضو من شخص لآخر هل تنتقل الروح مع العضو المنقول أم لا!! وكيف تظل هذه الأعضاء المنقولة حية بالرغم من وفاة أصحابها؟ هل يحق لنا أن نقول أن بعض الأرواح لها عمر أطول من عمر صاحبها؟ (لأن جزء منها استمر في الحياة بعد وفاته!).

من المشكلات التي تنتج عن فكرة الروح أيضاً مفارقة زرع الأعضاء الصناعية في الأجساد الحية. كيف نفهم – في ظل فكرة الروح – استبدال عضو حي (القلب مثلاً) بآله ميكانيكية معدنية تؤدي وظيفته. وكأنه من الممكن الاستغناء عن نسيج حي يحتوي على ثمة "روح" ما، وكذلك إمكانية زراعة الأنسجة في المعمل، هل تنتقل الروح إلى مزرعة الخلايا مثلاً؟! أم أن هذه الأنسجة "حية" بدون "روح"؟! وإذا كانت "حية" بسبب وجود "قطعة ما" من "الروح" بها، فكيف نفسر إمكانية إطالة عمر هذا النسيج بالتبريد؟ هل الروح تتأثر بالتبريد؟!

الأسئلة كثيرة والتناقضات أكثر فيما يخص فكرة الروح مما يجعل المؤمنين بالجوهر السحري اللامادي المسمى "الروح" في موقف ضعيف للغاية وعليهم مراجعة تصوراتهم بجدية. فمن غير المقبول منطقياً التمسك بتصور خاطئ لمجرد أن: "إنا وجدنا آباءنا علي أمه و إنا علي آثارهم مهتدون". أما المعتقدون في ظواهر خارقة وإمكانيات للتواصل مع الأرواح وتسخيرها لخدمة البشر وما إلى ذلك، فأنهم لا يشكلون مشكلة حقيقية أو جادة للعقل، ومن الأفضل عدم الاهتمام بتجاربهم الروحية في ضوء الوضع الحالي للعلم وإلى أن يعدوا لأنفسهم منهجا نظرياً جديراً بدراسته ونقده.


المصدر: http://www.alzakera.eu/music/vetensk.../psyk-0064.htm